محمد حسين هيكل
21
حياة محمد ( ص )
الإسلام وما صارت إليه الشعوب الإسلامية على أنّ لهؤلاء الذين يحمّلون الإسلام وزر انحطاط الشعوب الإسلامية من العذر أن أضيف إلى دين اللّه شيء كثير لا يرضاه اللّه ورسوله ، واعتبر من صلب الدين ورمي من ينكره بالزندقة . وندع الدّين جانبا ونقف عند سيرة صاحبه عليه السلام . فقد أضافت أكثر كتب السيرة إلى حياة النبي ما لا يصدقه العقل ولا حاجة إليه في ثبوت الرسالة ، وما أضيف من ذلك قد اعتمد عليه المستشرقون واعتمد عليه الطاعنون على الإسلام ونبيّه وعلى الأمم الإسلامية واتخذوه تكأتهم في مطاعنهم المثيرة لنفس كل منصف . اعتمدوا عليه وعلى ما ابتدعوه من عندهم وما زعموا أنهم يكتبونه على الطريقة العلمية الحديثة ، هذه الطريقة التي تعرض الحوادث والناس والأبطال فتصدر بعد ذلك حكمها عادلا إن هي رأت لإصدار حكم محلا . فإذا أنت وقفت عندما كتبه هؤلاء رأيته تمليه شهوة الجدل والتجريح ، مصوغا في عبارة لا تخلو من براعة تستهوي إخوانهم في العقيدة إلى الظن بأن البحث العلمي المجرّد النزّاع إلى الحقيقة وحدها يريد أن يستشفّها من وراء كل الحجب ، هو الذي وجّه هؤلاء المتعصّبين من الكتّاب والمؤرخين . على أن السكينة التي ينزلها اللّه على نفوس الراضين من الناس ، كتّابا وعلماء ، قد أدّت بآخرين من أحرار الفكر ومن المسيحيين ليكونوا أدنى إلى العدل وأحرص على النّصفة . الجمود والاجتهاد عند المسلمين ولقد قام بعض علماء المسلمين في ظروف مختلفة فحاولوا إدحاض مزاعم أولئك المتعصبين من أبناء الغرب . واسم الشيخ محمد عبده هو أنصح الأسماء في هذا الصدد . لكنهم لم يسلكوا الطريقة العلمية التي زعم أولئك الكتّاب والمؤرخون الأوروبيون أنهم يسلكونها لتكون لحجتهم قوّتها في وجه خصومهم . ثم إن هؤلاء العلماء المسلمين ، والشيخ محمد عبده في مقدمتهم ، قد اتهموا بالإلحاد والكفر والزندقة ، فأضعف ذلك من حجتهم أمام خصوم الإسلام . ولقد كان اتّهامهم هذا عميق الأثر في نفوس شباب المسلمين المتعلمين . شعر هؤلاء الشبان بأن الزندقة تقابل حكم العقل ونظام المنطق في نظر جماعة من علماء المسلمين ، وأن الإلحاد عندهم قرين الاجتهاد ، كما أن الإيمان قرين الجمود . . لذلك جزعت نفوسهم وانصرفوا يقرؤن كتب الغرب يتلمّسون فيها الحقيقة ، اقتناعا منهم بأنهم لن يجدوها في كتب المسلمين . وهم لم يفكروا في كتب المسيحية والتاريخ المسيحي بطبيعة الحال ؛ إنما فزعوا إلى كتب الفلسفة يتلمّسون في أسلوبها العلمي ريّ ما في نفوسهم من ظمأ محرق للحق ، وفي منطقها ضياء للجذوة المقدّسة الكمينة في النفس الإنسانية ، ووسيلة إلى الاتصال بالكون وحقيقته العليا . وهم واجدون في كتب الغرب ، سواء منها كتب الفلسفة وكتب الأدب الفلسفي وكتب الأدب نفسه ، الشيء الكثير مما يغزي الإنسان بالأخذ به ، لروعة أسلوبها ودقة منطقها وما يظهر فيها من صدق القصد وخالص التوجه إلى المعرفة ابتغاء الحق . لذلك انصرفت نفوسهم عن التفكير في الأديان كلها وفي الرسالة الإسلامية وصاحبها ، حرصا منهم على ألا تثور بينهم وبين الجمود حرب لا ثقة لهم بالانتضار فيها ، ولأنهم لم يدركوا ضرورة الاتصال الروحي بين الإنسان وعوالم الكون اتصالا يرتفع به الإنسان إلى أرقى مراتب الكمال وتتضاعف به قوته المعنوية . انصرف هؤلاء الشبان عن التفكير في الأديان كلها وفي الرسالة الإسلامية وصاحبها . وزادهم انصرافا ما رأوا العلم الواقعيّ والفلسفة الواقعية ( الوضعية ) يقررانه من أن المسائل الدينية لا تخضع للمنطق ولا تدخل في حيز التفكير العلمي ، وأن ما يتصل بها من صور التفكير التجريديّ ( الميتافيزيقي ) ليس هو أيضا من الطريقة العلمية في شيء . ثم إنهم رأوا الفصل بين الكنيسة والدولة واضحا صريحا في البلاد الغربية ، ورأوا البلاد التي